بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله حمدا يليق بعظيم سلطانه ، وجليل إنعامه ، وفخيم آلائه، وجزيل امتنانه، تكل دون إحصائه الألسنة ، وتجف دون تقييده الأقلام، هو ربنا أهل الثناء والمجد ، أحق ما قال العبد ، وكلنا له عبد، ثم الصلاة والسلام على نبي الرحمة محمد بن عبد الله ، جاء بالصدق وصدق به، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم بإحسان، الذين اتخذوا الحق شعارا، والصدق دثارا، صلاة وسلاما قائمة دائمة إلى يوم الدين.
وبعد:
فإن للأقلام صولة إذا هي تزينت بالصدق، فكانت موصولة بمدد الحق، لا يَطيش لها سهم، ولا يَفيل1 لها رأي، ساعيةً فيما تسعى إليه من إحقاق حق، ودفع شر، تروق& الأعينَ نظرةُ ما خطته من أحرف، تستمتع لسماعها الآذان، وتطرب لها القلوب.
تلك أقلام قد خلت...ثم جاءت أقلام من الحق قد خلت ـ إلا أقل القليل ـ، الكذب حِليتها، وتحريف الكلم صِنعتها، تَقذي2 الأعينَ نظرةُ ما ارتسمته من سطور، وتستك المسامع3 لما في أثنائها من فجور، فتغتم لذلك القلوب.
ففرق ما بين الفريقين: نبرة الصدق، ولهجة الحق.
ولنعتبر الآن بحال أهل زماننا، فنجيل الخاطر فيما نقرأ، وفيما نسمع ، فإذا هو غثاء كغثاء السيل، لا للخلق ينفع، ولا للحق يرفع ، "إلا من رحم ربك"و"قليل ما هم"...
لقد أحسن علماء البلاغة يوم طرقوا باب البلاغة، فاستجمعوا كلام العرب ، ونظروا فيه بدقة متناهية، أوصلتهم إلى جملة شروط ، سموها شروط الفصاحة، قال الخطيب القزويني في تلخيصه:"الفصاحة يوصف بها المفرد، والكلام ، والمتكلم....فالفصاحة في المفرد: خلوُّه من تنافر الحروف، والغرابة، ومخالفة القياس...وفي الكلام: خلوصه من ضعف التأليف، وتنافر الكلمات، والتعقيد مع فصاحتها....وفي المتكلم: ملكة يقتدر بها على التعبير عن المقصود بلفظ فصيح"4.
ولقد أحسن علماء اللغة ـ مرة أخرى ـ يوم فرقوا بين البلاغة والفصاحة، فجعلوا البلاغة وصفا زائدا على مطلق الفصاحة، يقول جلال الدين السيوطي في شرح عقود الجمان:" البلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته...فعُلِم مما ذكر في حدّ البلاغة أن كل بليغ ـ كلاما كان أو متكلما ـ فصيحٌ، لجعل الفصاحة شرطا للبلاغة، وليس كل فصيح بليغا ـ كلاما كان أو متكلما ـ، لأن الفصيح قد يعرى عن المطابقة له"5.
وقد فاق الجميع حسناً، ما قاله جماعة من محققة العلماء ـ نصا وإشارة ـ: الشأن كل الشأن في صدق اللهجة، وصلوح القصد، واستقامة اللسان على مَهْيع العدل والإنصاف، وبهذا تفاضلت العبارات، وإن كانت متماثلة الجمل والكلمات...
وانظر إلى ما كتبه الإمام العالم أبوالفرج6 زين الدين عبد الرحمن ابن أحمد بن رجب البغدادي الحنبلي في كتابه:" فضل علم السلف على علم الخلف" وهو كتاب أيَّما كتاب!!!
وفي "بهجة المجالس" للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد البر النمري القرطبي:" قال خالد بن صفوان لرجل كثر كلامه: إن البلاغة ليست بكثرة الكلام ، ولا بخفِّة اللسان، ولا كثرة الهذيان، ولكنَّها إصابة المعنى، والقصد إلى المحجة"7.
وعن مكحول رحمه الله أنه قال:"ما أخلص عبد قط أربعين يوما، إلا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه ولسانه". وفي شرح العلامة ابن أبي العز الحنفي على العقيدة الطحاوية:"...فلذلك صار كلام المتأخرين كثيرا، قليل البركة ، بخلاف كلام المتقدمين، فإنه قليل كثير البركة " 8.
وللعلامة البشير الإبراهيمي:" فإن حملة الأقلام فينا كثير، ولكن المسدد المصيب فيهم قليل"9.
فانتهى بنا ألأمر ـ إذن ـ إلى أن فخامة الأسلوب، وجمال التركيب ، وحسن موافقته للحال والمقتضي، لا يكون ذا بالٍ، إلا إذا كان مشتملا بالحق ، مكتحلا بالصدق، وإلا فهو ترجمة تهول بلا معنى ، وجعجعة بلا طحن، أو كما يقول بنو زماننا :" هو مثل خضروات البيوت المحفوظة، وفواكه غرف التبريد".
إن الأقلام متى خلت من نبرة الصدق كانت شوهاء10، ومتى لم ترتكز على ساق الحق كانت عرجاء، فإن هي لم تستقم على مَهْيع العدل والإنصاف كانت عوجاء، وإن لم تعتمر بالإخلاص كانت جوفاء، فإذا انضاف إلى ذلك قعودها بكل صراط تصد عن سبيل الله فهي ـ وإن كانت ناطقة ـ صماء، ومهما تزينت وتجملت فلن تعدو أن تكون امرأة خرقاء11، أو عجوزا شمطاء...
فهذه الأقلام اجتمعت فيها السبع الموبقات، ومن كان12 فيها خصلة من ذلك، ففيها خصلة من ذلك حتى تدعها...وإلا فحق لها أن تكسر وتحطم، لا أن تبرى وتكرم...

والله المستعان .


1/ قال في القاموس:" فال رأيه يفيل فُيولة، وفَيْلة : أخطأ وضعف" [ص/941]. ط/ البقاعي.
&/ أي تعجب قال ابن دريد في مقصورته:
ولا اطّبى عيني مذ فارقتهم  شيء يروق العينَ من هذا الورى
2/القذى: ما يقع في العين، وما ترمي به، اللسان. [6/610]. ط/ عامر أحمد حيدر. وفي المقامة السادسة ـ المراغية ـ قول الحريري:" والسمح يُغذي، والمَحِك يُقذي". والمَحِك: اللجوج البخيل. وفي المقامة البغدادية:" ونظر إليَّ بعين يُقذيها الجمود، ويقذِّيها الجود". ويُقذي ـ بالضم ـ من أقذى عينه، إذا ألقى فيها القذى، أو من قّذَّى عينه إذا ألقى فيها القذى أيضا. وأما يُقذِّي ـ بالضم والتشديد ـ كما في قول الحريري " يقذّيها الجود"، فهو من قذّاه إذا أزال القذى من عينه. وفي اللسان:" الأصمعي: لا يصيبك مني ما يَقذي عينك" بفتح الياء" وهو على خلاف قياس ما تقدم انظر: اللسان[8/609]. القاموس [ص/1191] شرح الشريشي على المقامات [ج1/253]، [ج2/119]. ط/ محمد أبو الفضل إبراهيم. المعجم الوسيط [ص/722].
3/ استكت مسامعه : صمت وضاقت. وفي المقامة السمرقندية: " همُّه سكُّ المسامع، وسحُّ المدامع". انظر مختار الصحاح ص/210. دار الفكر.
4/انظر: تلخيص المفتاح وشروحه وحواشيه. حاشية الدسوقي[1/16]. ط/ د/خليل إبراهيم خليل. وفي اللسان:"الفصيح في اللغة: المنطلق اللسان في القول، الذي يعرف جيّد الكلام من رديئه" 2/320 .
5/شرح عقود الجمان ص/6-7. دار الفكر.
6/ لا ترتيب بين الكنية والاسم ، وأما بين الكنية واللقب فذهب قوم منهم ابن الصائغ والمرادي إلى تأخير اللقب عن الكنية كـتأخيره عن الاسم وعليه ظاهر بيت ابن ملك ـ في رواية ـ :
واسما أتى وكنية ولقبا ……. وأخرن ذا أن سواه صحبا
وهذا هو الذي اختاره ابن هشام في بعض تعاليقه معللا إياه بأن اللقب بمنزلة النعت والنعت لا يتقدم على منعوته واستثني من ذلك ما اشتهر بلقبه كـ" المسيح" انظر : حاشية الصبان1/ 190.دار الكتب العلمية، حاشية ابن حمدون على المكودي ص/86.دار الفكر.
7/ بهجة المجالس 1/71 . ط/ الخولي.
8/ شرح العقيدة الطحاوية ص /76.
9/ آثار الإبراهيمي 4/206.
10/ الشوهاء: العابسة وتأتي بمعنى الجميلة، فهو من الأضداد، ولذلك آثرتها هنا لأن الأقلام ما لم تتحلى بالصدق عابسة قبيحة، وإن ظنها الظان جميلة مليحة. انظر القاموس: ص/1125.
11/ الخُرْق ـ بالضم وبالتحريك ـ الحمق وفي اللسان:" وفي حديث جابر:" فكرهت أن أجيئهن بخرقاء مثلهن" أي حمقاء جاهلة" 5/822. القاموس: ص/79
وكتبه :أبو فراس مراد ابن أحمد العطاسي